أحمد بن علي القلقشندي
270
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لعقود الشّعر ناظما ، وطورا تلفيني جوادا سابقا ، ومرّة تجدني رمحا طاعنا وسهما راشقا ، وآونة تخالني نجما مشرقا ، وحينا تحسبني أفعوانا مطرقا ؛ قد فقت الشّبّابة في الطَّرب ، وبرّزت عليها في كلّ معنى وإن جمع بيننا جنس القصب ؛ فكانت للأغاني ، وكنت للمعاني ، وجاءت بغريب النّغم ، وجئت ببديع الحكم ، ولعبت بالأسماع طربا ، وولعت بالألباب فاتّخذت لدهرها مما عراها عجبا . فقال السّيف : ذكَّرتني الطَّعن وكنت ناسيا ، وطلبت التّكثّر فازددت قلَّة وعدت خاسيا ، فكنت كطالب الصّيد في عرّيسة ( 1 ) الأسد إن لقيه أهلكه ، وخالفت النّصّ فألقيت بيديك إلى التّهلكة ؛ فاقنع من الغنيمة بالإياب ، وعدّ الهزيمة مع السّلامة من أربح الأكساب ؛ فلست ممن يشقّ غباري ، ولا يقابل في الهيجاء ضرمي ولا يصطلي بناري ؛ فكم من بطل أبطلت حراكه ، وكم من شجاع عجلت هلاكه ، وكم صنديد أرقت دمه ، وكم ثابت الجأش زلزلت قدمه . وأراد القلم أن يأخذ في الكلام ، ويرجع إلى الجدال والخصام ، فغلب عليه رقّة طبعه وحسن موارده ، وسلاسة قياده وجميل مقاصده ، فمال إلى الصّلح وجنح إلى السّلم ، وأعرض عن الجهل وتمسّك بالحلم ، وأقبل على السّيف بقلب صاف ، ولسان رطب غير جاف ، فقال : قد طالت بيننا المجادلة ، وكثرت المراجعة والمقاولة ، مع ما بيننا من قرابة الشّرف ، وأخذ كلّ منّا من الفضل بطرف ؛ فنحن في الكرم شقيقان ، وفي المجد رفيقان ؛ لا يستقلّ أحدنا بنفسه ، ولا يأنس بغير صاحبه وإن كان من غير جنسه ؛ وقد حلبت الدّهر أشطره ، وعلمت أصفاه وأكدره ، وقلَّبته ظهرا وبطنا ، وجبت فيافيه سهلا وحزنا ؛ وإنّ معاداة الرّفيق ، ومباينة الشّقيق ، توجب شماتة العدوّ وتغمّ الصديق ؛ فهل لك أن تعقد للصلح عقدا لا يتعدّى حدّه ، ولا يحلّ على طول
--> ( 1 ) العرّيسة : شجر ملتفّ يكون مأوى للأسد .